عبد الكريم الخطيب

160

التفسير القرآنى للقرآن

فهذا الحضور هو شرط في أن يرزق هؤلاء الحاضرون من هذا الخير الذي شهدوه ، ورأوا الأيدي تمتد إليه وتنال منه ! وأنت ترى ما في هذا التوجيه السماوي ، تلك الحكمة الحكيمة التي تقوم عليها شريعة الإسلام في تربية الأمم ، ودعم بنائها ، وإقامة أسسها على دعائم وطيدة من التضامن الاجتماعي ، وحراسة المجتمع الإنسانى من أن تدخل عليه آفات التباغض والتحاسد ، التي هي أفتك الأدواء في تقويض الجماعات والأمم ! . إن ضريبة « الزكاة » التي تفرضها كثير من الدول على ما ترك المورّث ليس إلا تطبيقا إجباريا ، لهذا المبدأ الكريم السمح ، وإلا وحيا من وحيه ، وإن كان البون شاسعا ، والمدى بعيدا ، بينها وبين ما جاء به القران وشرعه الإسلام . فالإسلام لم يجعل هذا الأمر على وجه ملزم ، بل جعله دعوة مطلقة للخير وللبر ، في مقام يحضره داعيان من دواعي الخير والبر ، وهما : الوجد والموت . . إذ المال موجود عتيد بين يدي من سيصير إليهم من الورثة ، وهو مال لم يقع في أيديهم بعد . . ومن أجل هذا فإن النفس - في تلك الحال - لا يغلبها الحرص عليه ، والضنّ به كما لو وقع في اليد ، وصار في حوزة صاحبه . . خاصة وأنه لم يبذل له جهدا ، ولم يتكلف له عملا ، بل جاءه هكذا عفوا من غير سعى . . ثم الموت المشهود المذكور في هذا الوقت ، حيث كل شئ من هذا المال يذكّر بالميت والموت معا . . ومن أجل هذا فإن النفس لا يغلبها الشح ، ولا يمسك بها عن البذل والإنفاق في سبيل اللّه ، داعى الحرص على الحياة في هذا الوقت ، الذي يطلّ عليها فيه شبح الموت ، ويذكرها بأن كل شئ إلى زوال « والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا » ! . هذه الآية من الآيات الكثيرة التي قيل - على سبيل القطع - إنها منسوخة ، وهي - كما رأيت - دعوة كريمة من دعوات الإسلام إلى البرّ والإحسان ،